محمد بيومي مهران
255
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
ولعل مما تجدر الإشارة إليه هنا أن اللّه ، جلت قدرته ، قد أسند فرق البحر إلى ذاته الكريمة ، ليدل على أن القوم عبروه وقطعوه ، وهو معهم ، بعنايته ، وقوله تعالى : فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ بيانا للمنة العظمى التي امتن اللّه بها على بني إسرائيل ، والتي ترتبت على فرق البحر ، لأن فرق البحر ترتب عليه أمران : أولهما : نجاتهم ، وثانيهما إهلاك عدوهم ، وكلاهما نعمة عظمى ، والإيمان الصحيح يقتضي بأن نفهم واقعة انفصال البحر لموسى وقومه على أنها معجزة كونية لموسى عليه السلام ، وقد زعم البعض أنها كانت حادثة طبيعية ، بدون سند ولا دليل « 1 » . وانطلاقا من كل هذا ، فإننا نرفض ما يذهب إليه البعض من أن انغلاق البحر ، إنما كان نتيجة المد والجزر ، وبالتالي فتلك علة طبيعية لنظام جغرافي « 2 » ، كما نرفض كذلك القول بأن عنصر التهويل قد لعب دوره في القصة حتى أظهرها بهذه الصورة ، وأن هناك رواية مشابهة لها قد رددتها التوراة عن يشوع « 3 » ، خادم موسى وفتاه ، وعبوره الأردن على يبس « 4 » ، وأن
--> ( 1 ) محمد سيد طنطاوي : بنو إسرائيل في القرآن والسنة 1 / 459 ( القاهرة 1968 ) . ( 2 ) C . Roth , A Short Hostory of the Jewish Pople , 6 . p ، 1969 . ( 3 ) يشوع 1 / 10 - 18 ، 4 / 23 - 24 . ( 4 ) تروي المصادر الإسلامية أن الصحابي الجليل العلاء بن الحضرمي كان قد بعثه سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى ملك البحرين المنذر بن ساوي فأسلم على يديه وأقام فيهم الإسلام والعدل ، فلما توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مات المنذر بعده بقليل ، فارتد أهل البحرين ، فبعث إليهم أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه العلاء بن الحضرمي ، ثم حدثت معركة بين المسلمين والمرتدين ، انتصر فيها المسلمون انتصارا حاسما ، ففر كثير من المرتدين إلى « دارين » بالبحرين ، فتبعهم العلاء حتى أتى ساحل البحر ليركبوا في السفن ، فرأى أن الشقة بعيدة ، لا يصلون إليهم في السفن حتى يذهب أعداء اللّه ، فاقتحم البحر بفرسه وهو يقول « يا أرحم الراحمين ، يا حكيم يا كريم ، يا أحد يا صمد ، يا حي يا محي ، يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ، لا إله إلا أنت يا ربنا » ، وأمر الجيش أن يقولوا ذلك ويقتحموا ، ففعلوا ذلك ، فأجاز بهم الخليج بإذن اللّه ، يمشون على مثل رملة دمثة فوقها ماء ، لا يغمر أخفاف الإبل ، ولا يصل إلى ركب الخيل ، -